ashraf alcot
أهلا زائنا الكريم
نرجو التسجيل ومشاركتنا
بافكارك فى المنتدى

أبو معاذ

أصول الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

اذهب الى الأسفل

أصول الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 06, 2011 12:02 pm

أصول الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى
المقدمة:
الحمد لله نـور السماوات ، والأرض الذي أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ، ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيداً. والصلاة والسلام على البشير النذير ، والسراج المنير؛ الذي بعثه الله بالحق إلى قيام الساعة ، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.. وبعد،،،
فلما كانت الدعوة إلى الله هي المهمة التي كلف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم قـال تعالى : [ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنذِرْ ( 2 ) ] سورة المدثر . وكلف الله بها هذه الأمة كما قال تعالى [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ (110 )] سورة آل عمران .
فإنني أحببت أن أجمع رسالة قصيرة ، توضح لكل مسلم مكلف بالدعوة أصول هذه الدعوة ، كيف يدعو إلى الله ؛ وذلك حتى تكون دعوته على بصيرة كما قال تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) ] سورة يوسف .
وإني لأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الرسالة ، ويكتب لها القبول ، وأن يقوم المسلمون جميعاً بواجب الدعوة إلى الله على بصيرة ؛ ليشرق نور الله في الأرض كلها ؛ ويعلو دين الله على كل الأديان ، إنه هو السميع البصير والعلي العظيم..
وكتبه/ عبدالرحمن بن عبدالخالق ، الكويت في 27 من ذي الحجة 1416هـ
أولا: حكم الدعوة إلى الله :
الدعـوة إلى الله واجب كفائي على الأمة الإسلامية جميعها لقوله تعالى : [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ (110 )] سورة آل عمران .
وقوله تعالى: [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ (125) ] سورة النحل . وقوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 77 ) ] سورة الحج .
ويتعين الوجوب على الإمام ؛ لقوله تعالى : [ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ( 41 ) ] سورة الحج .
فجعل سبحانه وتعالى شرط التمكين : إقامتهم للصلاة ، وأداءهم للزكاة ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر . ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( فالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) رواه البخاري ، و مسلم ، و الترمذي ، و أبو داود ، و أحمد .
والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله أولى واجباته ، ثم أولى العلم من المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق ببيان العلم ، وعدم كتمانه كما قال تعالى : [ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ ( 187) ] سورة آل عمران.
وهذا تحذير من الله لهذه الأمة... وقال تعالى : [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) ] سورة البقرة .
وقـال تعالى: [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) ] سورة البقرة .
و قـال صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود ، و الترمذي ، وأحمد ، و ابن ماجه عن أبي هريرة وصححه الألباني في صحيح الجامع 6284.
ويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز حفظه الله : " أما بالنسبة لولاة الأمور، و من لهم القدرة الواسعة فعليهم من الواجب أكثر ، و عليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار " ( الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص 17) . ويقول أيضاً : " ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة ، و إلى الإلحاد ، وإنكار رب العباد ، وإنكار الرسالات، وإنكار الآخرة ، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان ، و غير ذلك من الدعوات المضللة ، نظراً إلى هذا ؛ فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضاً عاماً , و واجباً على جميع العلماء ، و على جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام ، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله " ( الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص17 ).
ثانيا: فضل الدعوة إلى الله
والدعوة إلى الله فضلها عظيم ؛ فهي مهمة الرسل ، الأنبياء ، وهم أشرف الخلق ، وأكرمهم على الله ، و هم الذين اختارهم الله لهداية البشر … والعلماء هم ورثة الأنبياء ، و قيامهم بالدعوة أعظم تشريف لهم ? قال تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) ] سورة يوسف .
ومن فضل الدعوة إلى الله أن : ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) رواه مسلم ، و أبو داود ، و الترمذي ، و ابن ماجه ، و الدارمي ،و أحمد.
و الدعوة إلى الله هي التي من أجلها شرّف الله بها أمة الإسلام جميعاً ، فجعلها بذلك خير أمة أخرجت للناس، لأنها حملت رسالة الله إلى العالمين ، و جاهدت بها كل الأمم فهم ، خير الناس للناس.
ثالثا: أهداف الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى :
* الأهداف العامة :
إرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم ، و دينه القويم ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، و من الشرك إلى التوحيد، ومن الجور، والظلم إلى العدل، والرحمة والإحسان ، والأدلة على هذا كثيرة جداً منها : قوله تعالى : [ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ( 104 ) ] سورة آل عمرا .
وقوله تعالى :[ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 73 ) ] سورة المؤمنون .
وقوله تعالى : [ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( 53 ) ] سورة الشورى .وقوله تعالى : [ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ( 67 ) ] سورة الحج . و قال تعالى : [ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو ( 36 ) ] سورة الرعد . و قوله تعالى : [ الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 1 ) ] سورة إبراهيم .
وأمة الإسلام التي هي خير الأمم قد أخرجها الله لهذه الغاية ، فقال سبحانه و تعالى : [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ (110 ) ] سورة آل عمران .
ولم يشرع الجهاد بالكلمة ، و المال ، و السيف إلا لتحقيق هذه الغايات . وقد أجمل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام في الجهاد ، فقال _ عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس ، فقال له رستم : لماذا جئتم ، فقال _ : إن الله ابتعثنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . ( البداية والنهاية 7/ 39) .
أما المقصود من الدعوة والهدف منها:
فالمقصود ، و الهدف الأعظم من الدعـوة هو: إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، و إرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به ، و ينجوا من النـار ، و ينجوا من غضب الله ، و إخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور و الهدى ، وإخراج الجاهل من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة ، هذا هو المقصود من الدعوة كما قال جل وعلا : [ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ( 257 ) ] سورة البقرة .
فالرسل بعثوا ؛ ليخرجوا من شاء الله من الظلمات إلى النور ، و دعاة الحـق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها ؛ لإخراج من شاء الله من الظلمات إلى النور ، و من العذاب إلى المغفرة و الجنة، و من طاعة الشيطان ، و الهوى إلى طاعة الله ، و رسوله.
الأهداف التفصيلية:
1) إيجاد الأمة الصالحة ، الداعية إلى الله المجاهدة ، في سبيله :
من أول أهداف الدعوة : العمل لإخراج الأمة الصالحة التي تعبد الله سبحانه ? تعالى . قال سبحانه ? تعالى : [ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ( 2 ) ] سورة الجمعة . وقال تعالى : [ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ( 164 ) ] سورة آل عمران . وقال تعالى : [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( 28 ) ] سورة الفتح.
والأمة الصالحة: هي مجموع الأفراد الصالحين المجتمعين على الهدى والصراط المستقيم.
2) إيجاد المؤمن الصالح :
وذلك ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( … لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) رواه البخاري ، و مسلم ، و أبو داود ، و أحمد .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( يَجِيءُ النَّبِيُّ ، وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ ، وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ،وَأَقَلُّ ... ) رواه أحمد ، و ابن ماجه ، و صححه الألباني في صحيح الجامع 8033 .
فهداية مؤمن ـ ولو واحد ـ تحقيق لهدف عظيم من أهداف الرسالات.
3) إقامة الحجة لله على الجاحدين والكافرين :
والدليل على ذلك قوله تعالى : [ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ( 163 ) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ( 164 ) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( 165 ) ] سورة النساء .
4) النهي عن الفساد في الأرض :
وذلك لقوله تعالى : [ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ( 116 ) ] سورة هود .
و النهي عن الفساد في الأرض عصمة للجميع من عقوبة الله العاجلة في الدنيا كما قال تعالى : [ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ( 59 ) ] سورة القصص .
وكل ما نهى الله عنه فهو من الفساد في الأرض ، قال تعالى : [ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) ] سورة النحل . وكل الرسل الذين أرسلهم الله نهوا أقوامهم عن الفساد ، و الطغيان بعد أمرهم إياهم بتوحيد الله ، وعبادته ، وطاعته.
فنوح عليه السلام
نهى قومه عن الشرك بالله ، و عبادة الصالحين ، و هو أعظم الفساد ، و الشر ،و نهاهم عن صد المؤمنين عن سبيل الله ، واحتقارهم ، و ازدرائهم .
و هود عليه السلام
نهى قومه عن الطغيان ? ? العتو في الأرض بإهدار الأموال في العبث ? ? الضياع ? كما قال تعالى : [ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ] سورة الشعراء .
و صالح عليه السلام
أمر قومه بعبادة الله وحده لا شريك له ،و نبذ ما يعبد من دون الله ، ثم نهاهم عن الإفساد في الأرض بالصد عن سبيل الله ، و إيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، فقال لهم : [ فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 74 ) ] سورة الأعراف . و قـال لهم : [ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ( 146 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 147 ) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ( 148 ) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ( 149 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 150 ) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ( 151 ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ( 152 ) ] سورة الشعراء .
و شعيب عليه السلام
نهى قومه بعد الشرك بالله قائلاً : [ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( 85 ) وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ( 86 ) ] سورة الأعراف.
و لذلك : فإن سبب ما يحصل لأهل الأرض من فساد أحوالهم ، ودنياهم هو المعاصي ؛ ولذا كان من أعظم أهداف الدعوة إزالة هذا السبب .
و رسالة رسولنا الخاتمة
جاءت بالأمر بكل معروف ، و النهي عن كل منكر ، و البعد عن كل فساد في الأرض، حتى لو كان عدواناً على حرث ، أو زرع ، كما قال تعالى : [ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( 204 ) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ( 205 ) ] سورة البقرة .
5) عمارة الأرض بالخير والعمل الصالح :
من أهداف الدعوة إلى الله : عمارة الأرض بالخير، والعمل الصالح ، قال تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) ] سورة الحج .
و قال تعالى : [ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ( 104 ) ] سورة آل عمران .
والخير : اسم جامع لكل نفع ، فالخلق الحسن خير ، والبر ، والصلة ، والإحسان خير ، وإعمار الأرض بالزرع النافع خير ،كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ) رواه أحمد ، والبخاري في الأدب المفرد ، وصححه الألباني في الجامع 1424.
و لا شك أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قد استفاد منها كل العالمين ، حتى الذين لم يؤمنوا بالإسـلام كما قال سبحانه وتعالى : [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( 107 ) ] سورة الأنبياء . فإن تعاليم الإسلام التي جاءت بالفضيلة ، و الإحسان ، و نبذ الظلم ، و إقامة العدل قد استفاد منها كثير من الأمم ، و الشعوب ، و إن لم تدخل في الإسلام ، و قد أخذت كثير من دول العالم نظام الإسلام في المعاملات ؛ فاستفادت بذلك فائدة دنيوية .
وقد جاء الإسلام برفع الظلم عن النساء ، و العبيد ، و الضعفاء ؛ فاستفاد الناس من ذلك ، و جعل الإسلام حقوقاً للأسرى ، و نظاماً في الحروب استفاد منه الكفار أيضاً .
فقد جاء الإسلام في وقت عم فيه الجهل ، و الظلم ، فغير نظرة الناس عمومهم نحو المرأة والعبد ؛ فأزال الفروق الجاهلية التي كان الناس يتفاضلون بها ، و يقتتلون عليها كاللون ، و الوطن ، و الأصل وأعلن في الناس جميعاً أنهم لآدم و آدم من تراب ، قـال تعالى : [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) ] سورة الحجرات .وقد استفاد الناس من هذا التعاليم ، و لو بعد حين .
رابعا : أركان الدعوة إلى الله
أركان الدعوة إلى الله ثلاثة هي:
1) المدعو إليه: و هو دين الإسلام الذي يراد دعوة الناس إليه ، و هو سبيل الله ، و صراطه المستقيم.
2) الداعي: هو القائم بأمر دعوة الناس .
3) المدعو: و هو من يراد دعوته ، و هم الناس جميعاً بوجه عام ، و أهل الإسلام بوجه خاص .
الركن الأول: المدعو إليه:
الأصول العامة للركن الأول :
1) لا يدعي إلا إلى الإسلام :
الركن الأول في الدعوة إلى الله هو: دين الإسلام الذي يراد دعوة الناس إليه ، وحملهم عليه ، و دين الإسلام هو: سبيل الله ، وصراطه المستقيم ? قال تعالى : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ ( 125 ) ] سورة النحل . ? قال : [ اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ( 6 ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ( 7 ) ] سورة الفاتحة. و قال تعالى: [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ( 108 ) ] سورة يوسف . و قال تعالى : [ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) ] سورة القصص . و قال : [ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( 53 ) ] سورة الشورى .
فالدعوة إلى الله هي: الدعوة إلى توحيده ، و الإيمان به ، و الدخول في دينه ، و صراطه المستقيم ، وشرعه القويم ، و هو دين الإسلام الذي بعث به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله : " الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به ، و ما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به ، و طاعتهم فيما أمروا " مجموع الفتاوى 15/157 .
2) الإسلام هو كتاب الله وسنة رسوله ، وما أجمعت عليه الأمة:
و الإسلام هو ما يتضمنه كتاب الله ، و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي وردتنا بطريق صحيح ، فهذا هو الحق الذي لا شائبة فيه ، و لا يتطرق إليه خلل ، ثم ما أجمعت عليه الأمة كلها ؛ لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ) رواه ابن ماجه .
وما سوى ذلك من رأي ، و اجتهاد ، فإنه يصيب ، و يخطئ ، ولا يجوز حمل الناس على قول أحد إلا ما وافق كتاب الله ، و سنة رسوله.
و قال شيخنا ، و أستاذنا الشيخ عبدالعزيز بن باز -حفظه الله- : " أما الشيء الذي يدعى إليه ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم ، و هو الإسلام ، وهو دين الله الحق ، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ ( 125 ) ] سورة النحل . فسبيل الله جل وعلا هو الإسـلام وهو الصراط المستقيم ، و هو دين الله الذي بعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم . هذا هو الذي تجب الدعوة إليه لا إلى مذهب فلان ، و لا إلى رأي فلان ، و لكن إلى دين الله ، و إلى صراط الله المستقيم الذي بعث الله به نبيه ، و خليله ، و هو ما دل عليه القرآن العظيم ، و السنة المطهرة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)" الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/26 .
3) حقيقة الإسلام:
وحقيقة هذا الدين ، و هدفه : هو عبادة الله وحده لا شريك له ، ونبذ ما يعبد من دون الله ، والاستسلام ، و الخضوع لأوامره . قال تعالى: [ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ( 19 )] سورة آل عمران. وقال تعالى : [ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 85 ) ] سورة آل عمران . وقال تعالى: [ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ( 36 ) ] سورة النحل . و قال تعالى : [ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ( 110 ) ] سورة الكهف . و قال تعالى :[ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162 ) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) ] سورة الأنعام.
والخلق جميعاً _ ومنهم الإنس والجن _ قد خلقوا لهذه الغاية، قال تعالى : [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) ] سورة الذاريات .
4) الإسلام نظام شامل لكل أعمال الإنسان :
والإسلام نظام شامل ، كامل لتنظيم أعمال الإنسان جميعها على هذه الأرض ، فهو أولاً : يحدد عقيدة الإنسان ، و عمله تجاه إلهه ، و خالقه سبحانه و تعالى .
ثم : عقيدته ، و عمله نحو أهل الإيمان ممن دخلوا في هذا الدين ، ثم عقيدته ، و عمله نحو كل مخلوقات الله التي تحيط بالإنسان في السموات والأرض..
وفي كل هذه الأمور تأتي الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة : الوجوب ، و الندب ، و الإباحة ، والتحريم ، و الكراهة .
فلا يوجد عمل ، و لا اعتقاد إلا وفيه حكم من هذه الأحكام ، قال تعالى : [ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ( 89 ) ] سورة النحل . وقال تعالى : [ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ( 3 ) ] سورة المائدة .
وقد بين سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز _ حفظه الله _ الكليات العامة للإسلام الذي تجب الدعوة إليه ، فقال : " و على رأس الدعوة إلى الإسلام : الدعوة إلى العقيدة الصحيحة ، إلى الإخلاص لله ، و توحيده بالعبادة ، و الإيمان به ، و برسله ، و الإيمان باليوم الآخر ، و بكل ما أخبر الله به ، و رسوله ، هذا هو الأساس ، الصراط المستقيم ، و هو : الدعوة إلى شهادة ألا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله ، و معنى ذلك : الدعوة إلى توحيد الله ، و الإخلاص له ، و الإيمان به ، و برسله عليهم الصلاة و السلام .
و يدخل في ذلك: الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ، و رسله مما كان ، و ما يكون من أمر الآخرة ، و أمر آخر الزمان ، و غير ذلك.
ويدخل في ذلك أيضاً: الدعـوة إلى ما أوجب الله : من إقامة الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صوم رمضان ، و حج البيت إلى غير ذلك .
و يدخل أيضاً في ذلك : الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ، و الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و الأخذ بما شرع الله في الطهارة ، و الصلاة ، و المعاملات ، و النكاح ، و الطلاق ، و الجنايات ، و النفقات ، و الحرب ، و السلم ، و في كل شيء ؛ لأن دين الله عز وجل دين شامل ، يشمل مصالح العباد في المعاش ، و المعاد . ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ، و دنياهم ، و يدعو إلى مكارم الأخلاق ، و محاسن الأعمال ، و ينهى عن سفاسف الأخلاق ، و عن سيء الأعمال .
فهو عبادة ، و قيادة : يكون عابداً ، و يكون قائداً للجيش .
عبادة ، و حكم : ويكون عابداً مصلياً صائماً، ويكون حاكماً بشرع الله منفذاً لأحكامه عز وجل. عبادة ، و جهاد : و يدعو إلى الله ، و يجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله.
مصحف ، و سيف : يتأمل القرآن ، و يتدبره ، و ينفذ أحكامه بالقوة ، و لو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه .
سياسة ، و اجتماع : فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة ، و الأخوة الإيمانية ، و الجمع بين المسلمين
والتأليف بينهم _ كما قـال جل و علا : [ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ( 103 ) ] سورة آل عمران . فدين الله يدعو إلى الاجتماع ، و إلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع الأخوة الإسلامية ، و التعاون على البر ، و التقوى ، و النصح لله ، و لعباده .
وهو أيضاً : يدعو إلى أداء الأمانة ? والحكم بالشريعة ? ? ترك الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل كما قال سبحانه : [ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ( 58 ) ] سورة النساء .
وهو أيضاً : سياسة ، و اقتصاد ، كما أنه : سياسة ، و عبادة ، و جهاد ، فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسماليا ، و لا شيوعيا : تكسب المال ، و تطلبه بالطرق الشرعية ، و أنت أولى بمالك ، و بكسبك بالطريقة التي شرعها الله ، و أباحها جل وعلا.
والإسلام أيضاً يدعو إلي : الأخوة الإيمانية، وإلى النصح لله ، ولعباده ، وإلى احترام المسلم لأخيه المسلم: لا غل ، ولا حسد ، ولا غش ، ولا خيانة ، ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة كما قال جل وعلا :[ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ( 71 ) ] سورة التوبة ، و قال جل وعلا : [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( 10 ) ] سورة الحجرات .
و قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ،وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ ) رواه البخاري ، و مسلم ، و أحمد .
فالمسلم أخـو المسلم يجب عليه احترامه ، و عدم احتقاره ، و يجب عليه إنصافه ، و إعطاؤه حقه من كل الوجوه التي شرعها الله عز وجل ، و قال صلى الله عليه وسلم : ( الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ) رواه البخاري ، و مسلم ، و الترمذي ، و النسائي ، و أحمد .
و قال صلى الله عليه وسلم : ( الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ ) رواه أبو داود ، و الترمذي ، و الطبراني في الأوسط ، و صححه الألباني في الجامع 6655 .
فأنت يا أخي ... مرآة أخيك ، و أنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية ، فاتق الله في حق أخيك ، و اعرف حقه ، وعامله بالحق ، و النصح ، و الصدق. و عليك أن تأخذ الإسلام كله ، و لا تأخذ جانباً دون جانب :
لا تأخذ العقيدة ، و تدع الأحكام و الأعمال ... و لا تأخذ الأعمال والأحكام ، و تدع العقيدة ... بل خذ الإسلام كله ... خذه عقيدة ، و عملاً ، و جهاداً ، و سياسة ، و اقتصاداً ،
و غير ذلك ... خذ من كل الوجوه كما قال سبحانه : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ( 208 ) ] سورة البقرة .
قـال جماعة من السلف : معنى ذلك : ادخلوا في السلم جميعه ، يعني : في الإسلام .
يقال للإسلام : سلم ؛ لأنه طريق السلامة ، و طريق النجاة في الدنيا ، و الآخرة ؛ فهو سلم ، و إسلام ؛ فالإسلام يدعو إلى السلم ، يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود ، و القصاص ، و الجهاد الشرعي الصادق .
فهو سلم ، و إسلام ، و أمن ، و إيمان ؛ و لهذا قال جل وعلا: [ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ] أي : ادخلوا في جميع شعب الإيمان … لا تأخذوا بعضاً ، و تدعوا بعضاً … عليكم أن تأخذوا بالإسـلام كله . [ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ( 208 ) ] سورة البقرة . يعني : المعاصي التي حرمها الله عز وجل ، فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي ، و إلى ترك دين الله كله ، فهو أعدى عدو.
و لهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله ، و أن يدين بالإسلام كله ، و أن يعتصم بحبل الله عز وجل ، و أن يحذر أسباب الفرقة ، و الاختلاف في جميع الأحوال .
فعليك أن تحكم شرع الله في العبادات ، و في المعاملات ، و في النكاح ، و الطلاق ، و في النفقات ، و في الرضاع ، و في السلم ، و الحرب ، و مع العدو ، و الصديق ، و في الجنايات ، و في كل شيء ... دين الله يجب أن يحكم في كل شيء .
و إياك أن توالي أخاك ؛ لأنه وافقك في كذا ، و تعادي الآخر ؛ لأنه خالفك في رأي ، أو في مسألة ، فليس هذا من الإنصاف ، فالصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل ، و مع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم ، و الموالاة ، و المحبة رضي الله عنهم ، و أرضاهم.
فالمؤمن يعمل بشرع الله ، و يدين بالحق ، و يقدمه على كل أحد بالدليل ، و لكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه ، و عدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفي دليلها ، و هكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها ، فإنه قد يعذر ، فعليك أن تنصح له ، وأن تحب له الخير ، و لا يحملك ذلك على العداء ، والانشقاق ، و تمكين العدو منك ، و من أخيك ، ولا حو ل و لا قوة إلا بالله.
الإسلام دين العدالة ... و دين الحكم بالحق والإحسان ... و دين المساواة إلا فيما استثنى الله عز وجل ... ففيه الدعوة إلى كل خير ? ? فيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ? ? محاسن الأعمال ? ? الإنصاف ? ? العدالة ? ? البعد عن كل خلق ذميم . قال تعالى : [ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) ] سورة النحل . و قال تعالى : [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 )] سورة الحجرات.
والخلاصة : إن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله ، و لا يفرق بين الناس ، و أن لا يكون متعصباً لمذهب دون مذهب ، أو لقبيلة دون قبيلة ، أو لشيخه ، أو رئيسه ، أو غير ذلك ، بل الواجب أن يكون هدفه : إثبات الحق وإيضاحه ، و استقامة الناس عليه _ و إن خالف رأي فلان أو فلان _ .
و لما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ، و يقول : إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان ، جاءت الفرقة ، و الاختلاف ، حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى أن لا يصلي مع من هو على غير مذهبه ، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي ، و لا الحنفي خلف المالكي ، و لا خلف الحنبلي ، و كذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين ، و هذا من البلاء و من اتباع خطوات الشيطان.
فالأئمة أئمة هدى ، الشافعي ، ومالك، وأحمد ، وأبو حنيفة والأوزاعي ، وإسحاق بن راهويه ، وأشباههم كلهم أئمة هدى ، و دعاة حق ، دعوا الناس إلى دين الله ، و أرشدوهم إلى الحق ، و وقع هناك مسائل بينهم اختلفوا فيها ؛لخفاء الدليل على بعضهم فهم بين مجتهد مصيب له أجران ، وبين مجتهـد أخطأ الحق ، فله أجر واحد ، فعليك أن تعرف لهم قدرهم ، وفضلهم ، وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ، ودعاة الهدى ، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب ، والتقليد الأعمى ، فتقـول : مذهب فلان أولى بالحق بكل حال ، أو مذهب فلان أولى بالحق بكل حال ؛ لأنه لا يخطئ ، لا هذا غلط .
عليك أن تأخذ بالحق ، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ، ولو خالف فلاناً ، أو فلاناً ، وعليك ألا تتعصب ، وتقلد تقليداً أعمى ، بل تعرف للأئمة فضلهم ، وقدرهم ، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك ، فتأخذ بالحق ، وترضى به ، وترشد إليه إذا طلب منك ، وتخاف الله ، وتراقبه جل وعلا وتنصف من نفسك مع إيمانك بأن الحق واحد ، وأن المجتهدين إن أصابوا ، فلهم أجران ، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد –أعني : مجتهدي أهل السنة ، أهل العلم ، والإيمان ، والهدى- كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أ.هـ الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/27-35.
الركن الثاني : الداعي إلى الله
الركن الثاني من أركان الدعوة هو : الداعي إلى الله ، والمراد به كل مسلم حمل أمانة الدعوة ، ودخل في قوله تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) ] سورة يوسف .
والواجبات التي يجب توفرها في الداعي إلى الله هي :
1) العلم بما يدعو إليه :
الواجب الأول الذي يجب توفره في الداعي إلى الله : أن يكون عالماً بما يدعو إليه ، موقناً أن الذي يدعو إليه هو الإسلام . ولأن الإسلام دين متين يشمل جميع عمل الإنسان ، وعلاقاته بربه ، ثم بجميع المخلوقات ، والعالم من حوله ، والعلوم التي جاء بها الدين واسعة جداً ، فالغيب الذي أخبرنا الله به يبدأ من بدايات الخـلق إلى نهاية الدنيا ، مروراً بكل الرسالات والنبوات، و وصولاً إلى أحوال المعـاد ، و الجنة ، والنار… ثم إن الشريعة التي فرضها الله علينا تنتظم جميع أعمال المكلفين وتصرفاتهم على الأرض ، وحلاً لجميع مشكلاتهم ، وقضاءً لجميع أقضياتهم . ولأن هذا العلم من الاتساع ، والشمول ، والعمق مما لا يحيط به إلا الأفذاذ من الرجال ، ولا يجمعه إلا الفحول من العلماء ، ولا يفقهه حق الفقه إلا الأفراد من الراسخين في العلم ؛ كان لا بد للداعي إلى الله أن لا يهجم على أمر من أمور الدين إلا بعد العلم به ، ولا يفتي في مسألة إلا بعد فقه أبعادها ، ولا يدعو الناس إلا بعد العلم أن ما يدعو إليه هو ما أمر به الله ، ورسوله ، ولا ينهى عن شيء إلا بعد العلم أن ما ينهى عنه هو مما نهى الله ، ورسوله عنه.
ولا يجوز أن تجعل الأمور الاجتهادية، وما لا نص فيه في منزلة الأمور المنصوص عليها المقطـوع بها.. ويجب على الداعي أن يضع كل أمر في نصابه، ودليل هذا كله قوله تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) ] سورة يوسف . فالبصيرة : العلـم، وكذلك قوله : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ( 125 ) ] سورة النحل.
فما لم يكن من سبيل الله لا يجوز الدعوة إليه ، وما لم يعلم أنه من سبيل الله لا يجوز أن يدعى إليه . والدعوة على جهل تؤدي إلى فساد الدين، فكثيرون دعوا على جهل؛ فضلوا، وأضلوا.
و سبيل العلم هو : المربي ، والكتاب ، والمنهج ، وقد سئل شيخنا عبدالعزيز بن باز حفظه الله عن الكتب التي يجب على الداعي إلى الله أن يتعلمها فقال:" أعظم كتاب ، وأشرف كتاب أنصح به هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، فأنصح كل داع إلى الله ، وكل آمر بالمعروف ، وناه عن المنكر ، ومعلم ، ومدرس، ومرشد ، ذكراً كان ، أو أنثى ، أن يعتني بكتاب الله ، ويتدبره ، ويكثر من قراءته، فهو أصل كل خير ، وهو المعلم ، وهو الهادي إلى الخير ، كما قال عز وجل: [ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ( 9 ) ] سورة الإسراء . وهو يهدي بهداية الله إلى الطريق الأقوم ، إلى سبيل الرشاد ، فالواجب على الدعاة ، والآمرين بالمعروف ، والمعلمين ، أن يجتهدوا في قراءته ، وتدبر معانيه ؛ فإنهم بذلك يستفيدون الفائدة العظيمة ، ويتأهلون بذلك للدعوة ، والتعليم بتوفيق الله عز وجل.
ثم أنصح بالسنة ، وما جاء فيها من العلم والهدى ، وأن يراجع الداعي إلى الله ، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، والمدرس ذكوراً ، وإناثاً كتب الحديث ، وما ألفه الناس من هذا ، حتى يستفيد من ذلك ، وأهم كتب الحديث وأصحها : صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، فليكثر من مراجعتهما، والاستفادة منهما، ومن بقية كتب الحديث كالسنن الأربع، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي ، وغيرها من كتب الحديث المعروفة كما أوصي بمراجعة كتب أهل العلم المفيدة، مثل : المنتقى للمجد ابن تيمية، ورياض الصالحين، وبلوغ المرام، وعمدة الحديث، وجامع العلم ، وفضله لابن عبدالبر، وجامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب، وزاد المعاد في هدي خير العبـاد للعلامة ابن القيم، وأعلام الموقعين، وطريق الهجرتين، والطرق الحكمية كلها له أيضاً..
وكذلك ما كتبه أبو العباس شيخ الإسـلام ابن تيمية في السياسة الشرعية، والحسبة في الفتاوى، ومنهـاج السنة، فهو من الأئمة العظماء الذين جربوا هذا الأمر، وبرزوا فيه، ونفع الله به الأمة ونصر به الحق، وأذل به البدع وأهلها فجزاه الله وإخوانه العلماء عن صبرهم ، وجهادهم أفضل ما جزي به المحسنين إنه جواد كريم ، فأنا أنصح كل مسلم، وكل معلم، وكل مرشد أن يعتني بهذه الكتب المفيدة بعد العناية بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ".
2) العمل بما يدعو إليه:
الواجب الثاني الذي يجب للداعي : أن يكون عامـلاً بما يدعو الناس إليه، فإذا دعا غيره إلى خير كان أسبق الناس إليه، وإذا نهاهـم عن شر كان أبعد الناس منه، ودليل هذا قوله تعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ( 3 ) ] سورة الصف . وقوله تعالى : [ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ( 44 ) ] سورة البقرة . وقوله تعالى عن شعيب : [ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ( 88 ) ] سورة هود .
وفي الحديث الصحيح : ( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ ،فَيَقُولُونَ : أَيْ فُلَانُ : مَا شَأْنُكَ ، أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَر، ِ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ) رواه البخاري ، و مسلم ، و أحمد .
قال شيخنا عبدالعزيز بن باز حفظه الله : " ومن الأخلاق ، والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها الداعية : العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ،ثم يتركه، أو ينهى عن شيء ، ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون ، فهم دعاة الحق يعملون به ، وينشطون فيه ، ويسارعون إليه ، ويبتعدون عما ينهون عنه قـال الله جل وعلا : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ( 3 ) ] سورة الصف .هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضاً، ولهذا قال بعده :[ وَعَمِلَ صَالِحًا ( 33 ) ] سورة فصلت . فهو داعية إلى الله باللسان، وداعية بالعمل ولا أحسن قولاً من هذا الصنف من الناس: هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، و هم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم ، وأعمالهم ، وسيرتهم.
وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال، والسيرة... وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولا سيماً العـامة ، وأرباب العلوم القاصرة ، فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالـح، وذا خلق فاضل حتى يقتدي بفعاله وأقواله " من أقوال الشيخ بن باز ص/65-66.
3) احتساب أجر الدعوة إلى الله :
يجب على الداعي إلى الله أن يكون محتسباً لا يطلب على دعوته أجراً . قال تعالى : [ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) ] سورة ص . وحتى لا يتهم في دعوته، وأنه لم يدع إلا للدنيا، ولذلك أمر الله جميع رسله أن يقولوا : [وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 109 ) ] سورة الشعراء .
وأتباع الرسل ، والأنبياء يجب أن يأتسوا بهم في دعوتهم إلى الله ، فتكون دعوتهم إلى الله من أجل دينه، واحتساباً لله ؛ وبهذا تجد دعوتهم القبول، وتنتفي عنهم الظنة، ويكونون بعيدين عن الشبهة.
قال شيخنا عبدالعزيز بن عبدالله بن باز حفظه الله : " أما أخلاق الدعاة، وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها، فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثيرة في أماكن متعددة من كتابه الكريم، منها:
الإخلاص : فيجب على الداعية أن يكون مخلصاً لله عز وجل، لا يريد رياء ? ولا سمعة،[ ولا ثناء الناس ولا حمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد وجهه عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ ( 108 ) ] سورة يوسف … وقال عز وجل : [ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ ( 33 ) ] سورة فصلت . فعليك أن تخلص لله عز وجل، هذا أهم الأخلاق، هذا أعظم الصفات : أن تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة " الدعوة وأخلاق الدعاة ?/36-37)
ولاشك أن إخلاص الداعية لله في دعوته ، هو من سر النجاح فيها، ووضع القبول له في الأرض، قال الإمام الذهبي رحمه الله : " كان السلف يطلبون العلم لله ؛ فنبلوا ، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قـوم منهم أولاً : لا ، لله ، وحصلوه، ثم استفاقوا ، وحاسبوا أنفسهم ، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد ، وغيره : طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد، وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. فهذا أيضاً حسن، ثم نشروه بنية صالحة .
وقـوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا وليثنى عليهم، فلهم ما نووا ، قال عليه السلام Sad مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا، فَلَهُ مَا نَوَى ) رواه أحمد ، والنسائي ، والحاكم ، وصححه الألباني في صحيح الجامع 6401.
وترى هذا الضرب :لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى ... وقوم نالوا العلم ، وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم ، وركبوا الكبائر والفواحش، فتباً لهم، فما هؤلاء بعلماء! ... وبعضهم لم يتق الله في علمه بل رَكِبَ الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار... وبعضهم اجترأ على الله، ووضع الأحاديث فهتكه الله، وذهب علمه، وصار زاده إلى النار.
وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئاً كبيراً، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله لأنهم ما رأوا شيخاً يقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رعاعاً، غاية المدرس منهم أن يحصل كتباً مثمنة يخزنها، وينظر فيها يوماً ما، فيصحف ما يورده ولا يقرره، فنسأل الله النجاة والعفو" سير أعلام النبلاء 7/152-153.
قـال عبدالله بن المبارك: " قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا، قال : لأنهـم تكلموا لعز الإسلام ، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق " صفوة الصفوة 4/122.
4) الصبر على الأذى:
لا بد للداعي إلى الله من التحلي بالصبر ؛ لأنه لا بد وأن يؤذى في دعوته ، فكل الرسل قد عودوا، وقد قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : ( لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 557
تاريخ التسجيل : 23/08/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alcot.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

لركن الثالث : المدعو

مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 06, 2011 12:03 pm

لركن الثالث : المدعو
1) عالمية الرسالة:
رسالة الإسلام رسالة للعالمين قال تعالى : [ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ( 158 ) ] سورة الأعراف ... وقال تعالى : [ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ( 19 ) ] سورة الأنعام ... وقال تعالى : [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ( 28 ) ] سورة سبأ ... وقـال تعالى : [ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( 1 ) ] سورة الفرقان …
ومن أجل ذلك فالبشر جميعاً مدعوون إلى هذا الدين، والناس جميعاً هم أمة الدعـوة الذين أرسل إليهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .
2) أقسام الناس حيال رسالة الإسلام :
جاء الإسلام بنسخ جميع الشرائع السماوية التي قبله، و وجوب دخول اليهود ، والنصارى في شريعة الله المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعه في القليل والكثير .
وقد انقسم الناس بعد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قسمين :
قسم آمن به واتبع ما جاء به من الهدى والنور... وقسم كفر بالإسلام ، وجحد ما أنزل الله على رسوله... وهذا القسم الأخير افترقوا فريقين :كفار معلنين لكفرهم ... وكفار تظاهروا بالإسلام، وأضمروا الكفر، وقد سماهم القرآن بالمنافقين .
و قد أنزل الله سبحانه وتعالى الأحكام التي يجب اتباعها مع كل قسم من هذه الأقسام ، و رسم رسـول الله صلى الله عليه وسلم السياسة الشرعية الواجبة في دعوة هذه الأقسام إلى الله ، وكيفية التعامل مع كل قسم منهم.
وهذه هي الأصول العامة ، والسياسة الشرعية في الدعوة ، و المعاملة مع هذه الأقسام :
أولاً: الأصول الشرعية في دعوة الكفار الأصليين للإسلام :
من الكفار الأصليين : من بلغته دعوة الإسلام على الوجه الصحيح، ومنهم بلغته دعوة الإسلام بصورة مشوهة، ومنهم من لم تبلغه دعوة الإسلام .
و من الكفار الأصليين : أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، و الوثنيون ، والمجوس ، وغيرهم من أتباع هذه الملل الكثيرة ، ومنهم من لا ينتمي لدين أصلاً.
والأصول التي يجب اتباعها مع هؤلاء جميعاً هي :
1) إبلاغ دعوة الإسلام على وجهها الصحيح بلاغاً يقطع العذر :
الأصل الأول في دعوة المسلمين إلى الإسلام : أن يبلغوا هذه الدعوة على وجهها الصحيح بلاغاً يقطع العذر كما جاءت في كتاب الله ، و سنة رسـوله صلى الله عليه وسلم .
ولا تقوم الحجة عليهم إلا بهذا … قال تعالى : [ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ( 67 ) ] سورة المائدة … و قال تعالى : [ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( 54 ) ] سورة النور. ولا يكون البلاغ مبيناً قاطعاً للعذر إلا إذا فهموه بلغتهم ، أو تمكنوا من العربية تمكناً يجعلهم يفهمون معانيها ، كما قال تعالى:[ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ( 4 ) ] سورة إبراهيم .
فالواجب على أمة الإسلام الذين أخرجهم الله للناس أن يبلغوهم دين الله باللسان الذي يفهمونه ، ثم يعلموهم العربية ؛ ليفهموا عن الله ، ورسوله ، قال شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز حفظه الله : " أما بالنسبة إلى ولاة الأمور، و من لهم القدرة الواسعة، فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة ، وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية ، وبغيرها" الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/17.
ب) إبطال شبهات الكفار، ودفع باطلهم:
ويجب أن تدحض كل حجج الكفار ، وشبهاتهم حول دينهم الباطل . وكل دين غير الإسـلام ، فباطل كما قال تعالى : [ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ( 18 ) ] سورة الأنبياء . وقال تعالى:[ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ( 149 ) ] سورة الأنعام . و قال تعالى:[ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ( 33 ) ] سورة الفرقان .
ومن أجل ذلك ؛ أبطل الله في القرآن كل ما احتج به الكفار على اختلاف عقائدهـم في احتجاجهم لدينهم الباطل، فقد رد الله على اليهود مزاعمهم، وعلى النصارى ضلالهم ، وشبههم، وعلى مشركي العـرب في جميع ما عارضوا به الإسلام، وعلى ما احتجوا به على ما هم عليه من الشرك والضلال .
2) لا يبدأ مع الكافر الأصلي إلا بالتوحيد، ثم الأهم، فالأهم:
يجب البدء مع الكافر الأصلي الذي لم يدخل الإسلام بالتوحيد ؛ لأنه أساس الدين، وجميع الأحكام ترجع إليه، ولا يصح العمل الصالح إلا به ؛ ولذلك كان كل رسول أول ما يدعو قومه يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى ؛ إذ هو الفارق بين المسلم ، والكافر . وجميع أعمال الدين ترجع إلى التوحيد، وتبنى عليه ؛ فلا يصح عمل صالح للعبد إلا بتحقيق التوحيد لله، وجميع الأعمال الصالحة تكون باطلة إذا لم يكن فاعلها موحـداً لله سبحانه وتعالى ؛ كما قال جل وعلا في عمل المشركين والكفار : [ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 39 ) ] سورة النور . وقال تعالى : [ مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ ( 18 ) ] سورة إبراهيم . وقال تعالى : [ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 65 ) ] سورة الزمر .
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل عندما أرسله داعياً إلى أهل اليمن أن يبدأ بالتوحيد ، ثم بالصلاة ، ثم بالزكاة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا صَلَّوْا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ : تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ ، فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ ،فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ ، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ ) رواه البخاري ، و مسلم ، و أبو داود ، و الترمذي ، و النسائي ، و ابن ماجه ، و الدارمي ، و أحمد .
قال ابن حجر في الفتح : " بدأ بالشهادتين ؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء إلا بهما ، فمن كان غير موحـد ، فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين ، ومن كان موحداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار ، والوحدانية "... وقال : " يبدأ بالأهم ، فالأهم ، وذلك من التلطف في الخطاب ؛ لأنه لو طالبهم بالجميع لأول مرة ؛ لم يأمن النفرة " الفتح 3/357.
3) عرض الدعوة على الكفار باللين ، والحكمة ، والموعظة الحسنة ، والجدال بالحسنى :
في مقام عرض دعوة الإسلام على الكفار، وإن كانوا من المجرمين العتاة، والجبابرة الطغاة يجب اتخاذ اللين ، والحكمة ، والموعظة الحسنة ، والجدال بالحسنى سبيلاً إلى عرض الدعوة، والدليل على هذا وصية الله لموسى ، و هارون أن يعرضا الدعوة على فرعون باللين ، قال تعالى : [ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( 43 ) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ( 44 ) ] سورة طه .
فمع طغيانه ، وقتله لذكور بني إسرائيل ، و استحيائه لنساءهم، وسومهم رسولهم سوء العذاب إلا أن الله أمر الرسول عليه السلام أن يكون ليناً في عرض الدعوة عليه، ولعل اللين أن ينفعه ؛ فيتذكر ويخشى.
وقـال تعالى أيضاً :[ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( 125 ) ] سورة النحل … وقال تعالى :[ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ( 46 ) ] سورة العنكبوت .
4) وجوب رد إساءتهم ، وعدم السكوت على طعنهم في الدين :
لا يجوز للداعي إلى الله ؛ الذي يعرض دعوته باللين والحكمة على الكفار أن يأخذ جانب اللين مع الذين يردون رداً سيئاً ، ويطعنون في الدين الحق، ويسبون رسول الله، أو يعيبون شريعة الله، بل يجب الرد المناسب عليهم ، والانتصار منهم ؛ لقوله تعالى : [ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ( 46 ) ] سورة العنكبوت .
فالظالمون منهم ؛ يجب الرد بما يتناسب مع هجومهم ، وتهجمهم على الإسلام وطعنهم فيه ، قال تعالى : [ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ] سورة الشورى… و لذلك جاء في كثير من آيات القرآن الرد والزجر الشديد على المعاندين من الكفار : كبيان فضائحهم، وكشف مخازيهم ، و وصفهم بفقدان العقل والفهم، والاستهزاء بحالهم ومآلهم، وتحقير آلهتهم، وتهديدهم بعذاب الدنيا والآخرة .
5) قبول الكافر أخاً في الإسلام مهما سلف منه في الكفر:
يجب أن يقبل الكافر أخاً في الدين إذا انتقل من الكفر إلى الإسلام، فلا يعير بدينه السابق، ولا بما كان عليه من الكفر والشرك، ولا يذكر بماضيه إلا أن يكون على وجه حمد الله وشكره وفضله عليه كما قال تعالى عن المشركين : [ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ] سورة التوبة .
أصول في دعوة المرتد :
المرتد : هو كل من رجع عن الإسلام بعد دخوله فيه ، وللمرتد أحكام خاصة في الدعوة، منها :
1) لا حكم بالردة إلا من عالم بالإسلام :
لا يجوز الحكم على مسلم بالردة إلا إذا أعلن بنفسه هو أنه راجع عن الإسلام ، أو أن يكون قوله ، أو فعله كفراً مخرجاً من الملة ، ولا يحكم عليه بالردة إلا عالم بالإسلام ؛ و ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ : يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ ) رواه البخاري ، و مسلم ، و أبو داود ، و الترمذي ، و مالك ، و أحمد .
2) يجب التفريق بين مقالة الكفر ، و الكافر:
ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً ؛ فربما وقع جهلاً ، أو تأولاً ؛ و لذلك يجب الرد على المخالف ، و إقامة الحجة ببيان المقالة الخاطئة، دون الحكم على قائلها حتى يتبين أنه قد اختار الكفر ، أو أقيمت عليه الحجة البالغة التي تقطع عذره .
أصول في دعوة المنافق :
المنافق: هو الذي يظهر الإسلام ، ويبطن الكفر، وهذه بعض الأصول الشرعية في دعوته للإسلام:
1) لا يحكم على شخص أنه منافق نفاقاً اعتقادياً إلا ببرهان لا يقبل النقض أنه يبطن الكفر،
ويظهر الإسلام كذباً.
2) المنافق يدعى إلى الإسلام، ويوعظ ، و يذكر بالله ، و يجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة ، و يغلظ عليه عند مخالفة الأمر الشرعي ، قال تعالى :[ أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ( 63 ) ] سورة النساء … و قال : [جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ( 73 ) ] سورة التوبة … قال ابن كثير : " قال تعالى :[ أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ] هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم ، وسيجزيهم على ذلك ؛ فإنه لا تخفى عليه خافية ، فاكتف به يا محمد فيهم ؛ فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم ؛ ولهذا قــال له:[ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ] أي : لا تعنفهم على ما في قلوبهم [ وَعِظْهُمْ ] أي : واتهمهم عما في قلوبهم من النفاق ، وسرائر الشر [ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ] أي : و انصحهم فيما بينك ، وبينهم بكلام بليغ رادع لهم ".
ثانياً : الدعوة بين المسلمين :
للدعوة إلى الله بين المسلمين ميدانان هما :
أ) التربية والتعليم.
ب) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولكل ميدان من هذين الميدانين أصوله وقواعده.
أ) قواعد في التربية على الإسلام وتعليمه:
التربية _ وهي : التزكية والتعليم _ هي مهمة النبي في المؤمنين ، قال تعالى : [ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ( 2 ) ] سورة الجمعة ... والتربية هي : تنشأة الإنسان ، وبناؤه.. قال رسول صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) رواه البخاري ، و مسلم .
وهذه أهم قواعد التربية ، والتزكية :
1) تصور النموذج المثالي للإنسان الكامل ، والعبد الصالح :
يجب أولاً : أن يتضح أمام المربي، والمعلم النموذج، والمثال الذي يجب أن يربى على غراره، وهذا النموذج قد جاء وصفه التفصيلي في آيات كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى منها : أول سـورة المؤمنون... قال تعالى : [ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ( 2 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ( 4 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( 7 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ( 9 ) ] سورة المؤمنون .
وفي غيرها من سور القرآن : كمطلع سورة البقرة، والآيات الأولى من سورة الأنفال، وسورة الحجرات بكمالها، والآيات من سورة الإسـراء من قوله تعالى :[ لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ( 22 ) ] سورة الإسراء … إلى قوله :[ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ( 39 ) ] سورة الإسراء .
ولا شك أن القرآن كله قد فصل صفات النموذج الطيب للمؤمن الصالح الذي يحبه الله، ويرضاه.
وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل، والنموذج، والقدوة، والأسوة الذي أمر المسلمون جميعاً بالتأسي به : [ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ( 21 ) ] سورة الأحزاب . فهو النموذج الكامل للتأسي، وقد كان خلقه القرآن كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : ( كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ) رواه أبو داود ، والنسائي .
وكذلك صور القرآن النماذج السيئة من المجرمين، والكافرين، والمنافقين ، قال تعالى : [ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 ) ] سورة الأنعام .
2) التعليم الدائم :
يجب على الداعي إلى الله ، ومعلم الخير أن يعتمد لنفسه، ومن يعلمهم نظام التعليم الدائم من المهد إلى اللحد، والمسلم الحق هو من يزداد في دينه كل يوم علماً وعباده : [ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ( 114 ) ] سورة طه . وعلم الـدين لا يحاط به، والقرآن لا يشبع منه العلماء، وفضل العلم خير من فضل العبادة .
3) أخذ العلم والعمل جميعاً :
يجب أخذ العلـم والعمل جميعاً، وعدم إفراد العلم عن العمل ؛ لأن هذا مدعاة لأن يقول المسلم ما لا يفعـل، وأن يصبح العلم حجة على صاحبه لا حجة له . وقد كان منهج الصحابة في التعلم أخذ العلم والعمل جميعاً ؛ فقد كان منهم من حفظ سورة البقرة في عدة سنوات ؛ ليحفظ السورة وليعلمها ؛ وليعمل بها كما قال الأعمش : ( كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات ؛ لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن ) فتأخذ العلم والعمل جميعاً، وهذا لمن جاوز مرحلة الصغر وسنوات الحفظ الذهبية.
4) اغتنام سني الحفظ الذهبية عند الصغير :
تعليم الصغار يجب أن يكون بالحفظ أولاً ؛ اغتناماً لسنوات الحفظ الذهبية ، وهي من الثالثة إلى العشرين تقريباً … وقد كان منهج التابعين، وتابعيهم : تحفيظ الصغير القرآن الكريم أولاً ، ثم السنة ، ثم متون العلوم المختلفة _ المتون : هي كليات العلوم ، وقضاياها الأساسية ، وكثيراً ما تكون نظماً _ . ثم في الكبر يعتني بعد ذلك بالفهم ، والتعلم ، والتفقه فيما يكون قد حفظه.
5) تعلم الحق قبل الباطل، والتحصن بجواب الشبهة قبل ورودها:
من قواعد التعليم: تعلم الحق قبل تعليم الباطل ؛ لأن السابق إلى الذهن يتمكن منه ويستقر فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) رواه البخاري ، و مسلم .
والفطرة هي : التوحيد . قال تعالى : [ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ ( 30 ) ] سورة الروم .
فيجب تعليم الصغار كلمة التوحيد، وتنشئتهم على الفضيلة، والخلق الطيب قبل إطلاعهم على أنواع الشرك والكفر، ومعرفة الرذيلة...
ثم يجب تعلم جواب الشبهة قبل ورودها تحصناً منها ؛ كما كان الله سبحانه وتعالى يعلم المسلمين ما يقولونه جواباً لشبهات الكفار قبل أن يلقيها الكفار ، قال تعالى : [ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ( 148 ) ] سورة الأنعام . فأخبرهم بقـول المشركين سبحانه، قبل أن يقولـوه ليعلمهم جوابه. وقال تعالى : [ سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ( 142 ) ] سورة البقرة . وهذا كثير في القرآن .
6) التربية بالأسوة :
يجب أن تكون الدعوة إلى الله بالأسوة الصالحة، قبل أن تكون بالتعلم ، والقدوة الحسنة أبلغ في الدعوة ؛ فالعالم العامل المربي يدعو بسيرته، وأخلاقه، وأعماله أكثر مما يدعو بأقواله ... والرسول المربي صلى الله عليه وسلم قد أثر في سلوك أصحابه بأخلاقه، وشمائله أعظم من تأثيره بأقواله ومواعظه .
7) الحلم بالتحلم :
هناك فارق كبير بين التعلم والتربية، فالتعليم يكون بنقل العلم بأي وسيلة من وسائل النقل، ولكن اكتساب الأخلاق لا يكون بمجرد معرفتها ، وتعلمها، بل بوجوب التعود عليها ، والتخلق بها كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ) رواه الدارقطني في الأفراد ، وصححه الألباني في صحيح الجامع 2328 .
فلابد للمربي أن يهيئ من يربيهم على التعود على أخلاق الإسـلام، ولا يكتفي بتلقينها، وتعليمها لهم.
Cool التدرج في التعليم (تعليم صغار العلم قبل كباره):
من القواعد الهامة في التربية والتعليم : أن يكون التعليم متدرجاً ، فيبدأ بصغار العلم قبل كباره ، وبسهله قبل صعبه ومشكله ، قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : [ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) ] سورة آل عمران. قال : مربين تعلمون الناس بصغار العلم قبل كباره .
9) التقويم المستمر :
من قواعد التربية و التعليم : أن يكون التقويم مستمراً ، ولو كان في حال الكبر ، فكل من وقع منه خطأ ، أو ارتكب منكراً يجب تقويمه بالتقويم المناسب ؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم _ وهو سيد المعلمين ، والمربين _ لأبي ذر رضي الله عنه : ( إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ) قُلْتُ : عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ ، قَالَ : ( نَعَمْ ) رواه البخاري ، و مسلم .
ووعظ رسـول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل _ مع حبه له _ موعظة غضب فيها الرسول
صلى الله عليه وسلم قائلاً له : ( يَا مُعَاذُ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ ! ) رواه البخاري ، و مسلم .
وكل هذا يدل على أن الكبير في الفضل ، أو السن يجب تنبيهه إذا خالف شيئاً من الحق ، وكذلك غضب صلى الله عليه وسلم على عمر عندما خاصم الصديق ، وقال : ( فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ ) رواه البخاري .
10) تعليم الناس ما ينفعهم ، ويحتاجون إليه:
قال العلامة عبدالرحمن بن حسن رحمه الله : " وقد كان شيخنا المصنف رحمه الله – يعني : الإمام محمد بن عبدالوهاب- لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم في أصل دينهم وعباداتهم، ومعاملاتهم مما لا غنى لهم عن معرفته " (فتح المجيد ص/414) .
وإذا سأل العامي عن أمور لا يحتاج إليها ، فإنه ينبغي للمعلم أن يفتح له باباً إلى ما يهمه ، قال الإمام محمد بن عبدالوهاب : " وينبغي للعالم إذا سأله العامي عما يحتاج إليه ، أو سأله عما غيره أهـم منه، أن يفتح له باباً إلى المهم، ولا يحقر عن التعليم من يظنه أبعد الناس عنه، ولا يستبعد فضل الله عليه " (مؤلفات الشيخ: القسم الرابع-التفسير. سورة يوسف ص/147-148) .
11) تعليم الناس على قدر أفهامهم :
وينبغي للعالم أن يخاطب الناس كلاً على قدر فهمه... قال الإمام محمد بن عبدالوهاب : " فينبغي للمعلم أن يعلم أن الإنسان على قدر فهمه، وإن كان ممن يقرأ القرآن، أو عرف أنه ذكي ، فيعلم أصل الدين، وأدلته، والشرك، وأدلته، ويقرأ عليه القرآن، ويجتهد أن يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلاً متوسطاً ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس، ضعيف الفهم، فيصرح له بحق الله على العبيد، مثل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم على المسلم، وحق الأرحام، وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي صلى الله عليه وسلم " (الدرر السنية 1/98-99) .
12) عدم تضييع الزمان في إبطال الشبه الواضحة البطلان :
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب : "إن الشبهة إذا كانت واضحة البطلان لا عذر لصاحبها ، فإن - معه في إبطالها تضييع للزمان، وإتعاب للحيوان مع أن ذلك لا يردعه عن بدعته... وكان السلف لا يخوضون مع أهل الباطل في رد باطلهم عنهم " (مؤلفات الشيخ القسم الرابع-التفسير ص/92).
أما إذا كانت الشبهة قد أشكلت على المتعلم، أو الناس، واحتاجوا إلى إبطالها ، وجب حينئذ على أهل العلم ردها، وتفنيدها، وإبطالها بالحجج الدامغة لئلا تستقر في صدورهم، فتورث الشك ، والإضطراب، أو الحيرة والارتياب.
ب) الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر :
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هو الميدان الثاني من ميادين الدعوة إلى الله، وهو من فروض الكفايات على الأمة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه، بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن ".
ولكنه واجب عيني على أولى الأمر من المسلمين _ وهم الأمراء العلماء _ كما قال شيخ الإسلام أيضاً: " ويجب على كل أولي الأمر، وهم علماء كل طائفة، ومشايخها أن يقوموا على عامتهم، ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر" (رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص/40-41).
والمعروف: هو كل ما يحبه الله، ويرضاه، ويأمر به.
والمنكــر: يعم كل ما كرهه الله، ونهى عنه.
وهذه أهم قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1) لا تأمر بمعروف ، ولا تنه عن منكر إلا بعد العلم بما تأمر به ، وتنهى عنه :
لا يجوز لمن يأمر بالمعروف أن يقدم على ذلك إلا إذا علم أن ما يأمر به هو من المعروف حقاً، ولا ينهى عن منكر إلا إذا علم أن ما ينهى عنه هو من المنكر ، قال شيخ الإسـلام ابن تيمية رحمه الله : " والله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر : والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلم المعروف؛ لا يمكنه الأمر به... والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته، فمن لم يعلمه؛ لا يمكنه النهي عنه " (التفسير الكبير 5/304).
وقال النووي رحمه الله : " ثم أنه إنما يأمر ، وينهى : من كان عالماً بما يأمر به، وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا، الخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها . وإن كان من دقائق الأفعال، والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد؛ لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء ".
ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه، فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين : كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين، أو أكثرهم.
وعلى المذهب الآخر : المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه -على جهة النصيحة- إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع في خلاف آخر.
وذكر القاضي أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي في كتابه " الأحكام السلطانية " : خلافاً بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد، أم لا يغير ما كان على مذهب غيره ، والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه .
ولم يزل الخلاف في الفـروع بين الصحابة، والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين ... ولا ينكـر محتسب، ولا غيره، وكذلك قالوا : ليس للمفتي، ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً، أو إجماعاً أو قياساً جلياً . والله أعلم .
2) اتخاذ إحدى مراتب الإنكار اتباعاً للحكمة ، والقدرة :
و ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسـلم : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) رواه مسلم .
فالإنكار باليد أعلى درجات الإنكار وهو (لأولي الأيدي والأبصار) : أهل القوة، والتمكن ، والقدرة ، فمن لم يستطع لسبب، أو آخر ؛ تحول إلى الإنكار باللسان، ذماً للمنكر وأهله، وبياناً لفساده، وتحذيراً منه، فإن لم يستطع تحول إلى الإنكار بقلبه بغضاً للمنكر، وأهله، ومفارقة لمجالسهم كما قال تعالى : [ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ] سورة الأنعام .
ولا يختص الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل هو ثابت لآحاد المسلمين وعليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم، وهذا إجماع من الأمة على ذلك، وأدلة القرآن والسنة شاهدة بذلك ..." .
3) وجوب اتباع المصالح الشرعية في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر :
ومما يجب على الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن يعلم المصالح، والمفاسـد الشرعية التي تترتب على أمره، ونهيه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد.
فإن الأمـر والنهي – وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون حراماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد، هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، ولن تعوز النصوص من يكون خبيراً بدلالاتها على الأحكام.
ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أبي سلول، وأمثاله من أئمة النفاق والفجور؛ لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه؛ مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، حمي له سعد بن عبادة، مع حسن إيمانه وصدقه - وتعصب لكلٍ منهم قبيلته حتى كادت تكون فتنة " ( قاعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص/47- 48 ) .
4) وجوب إخلاص النية ، والبعد عن الهوى :
يجب على من يتصدى للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أن يكون عمله لله خالصاً، وأن يكون صواباً، وألا يتبع هواه، ويأمر أو ينهى لحظ نفسه، وذلك أن الضلال في الدين عظيم، ومن فقـد الإخلاص، ولم يتحر الصواب؛ أوقعه الشيطان في الهوى، ومن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية : " واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات "
فإن أهل الكتاب اتبعوا أهواءهم ? فضلوا ? قال تعالى عنهم : [ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 50 ) ] سورة القصص . ولذلك نهى نبينا أن يتبع أهواء أهل الكتاب، قال تعالى : [ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ( 120 ) ] سورة البقرة .
فاتباع الهوى هو الذي أفسد الديانات السابقة، و أوجد الفرقة بين أهل الدين الواحد، وهو الذي خرج به من خرج عن موجب الكتاب، والسنة، وسماهم علماء الإسلام : أهل الأهواء .
فيجب على الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر : أن يكون باعثه إخلاص النية، وعمله على الكتاب، والسنة، و أن يجانب الهوى . وإتبـاع الهوى : هو أن يحب، ويبغض بدافع من هواه لا إتباعاً للأمر، والنهي.
5) الرفق سبيل الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر :
يجب أن يكون الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر رفيقاً ،كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ) رواه مسلم .
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ ) رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد.
ولهذا قيل : ( ليكن أمرك بالمعروف معروفاً ونهيك عن المنكر غير منكر ) . هـذا وينظر كذلك إلى الفصل الخاص بالصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعي في دعوته إلى الله .
وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى
1) معنى الوسيلة :
الوسيلة في أصل اللغة : هي المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، وقال الجوهري: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسل، والوسائل . (لسان العرب).
وتطلق في العرف والاستعمال الشائع على : كل ما يتخذ وصولاً إلى غاية .
والمقصود بالوسيلة هنا : كل أمر، وطريقة مشروعة، وأسلوب، وآلة يمكن اتخاذه وصولاً إلى نشر الدين، وتبليغه، وتعليمه، والدعوة إلى الإسلام .
2) حكم الوسيلة في الدعوة إلى الله :
كل وسيلة أمر بها الله سبحانه وتعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو وفق الله إليها المسلمون في أي عصـر من عصورهم … فهي وسيلة مشروعة ما لم يأت في الشرع ما يحرمها، فالأصل في هذه الوسائل الإباحة، وقد تجب الوسيلة إذا كانت مما لا يقوم الواجب إلا به؛ كما هو مقرر في أصول الفقه : (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
فإذا وجب قتال الكفار، و دفعهم، ولم يمكن ذلك إلا بسلاح يمكن المسلمين من دفعهم وجب تحصيل هذا السلاح واستعماله . وهكذا الأمر في رد الشبهات، وإنكار المنكرات، و إبلاغ دين الله إلى العالمين، فكل وسيلة لم يأت الشرع بتحريمها بعينها، فهي مشروعة من أجل القيام بهذه الواجبات .
قال شيخنا عبدالعزيز بن باز حفظه الله : " ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة، و إلى الإلحاد، وإنكار رب العباد، وإنكار الرسالات، وإنكار الآخرة، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة، نظراً إلى هذا ؛ فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضاً عاماً ،و واجباً على جميع العلماء، وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسـلام .
فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة، والإمكان : بالكتابة، والخطابة، والإذاعـة، وبكل وسيلة استطاعوا، وأن لا يتقاعسوا عن ذلك، أو يتكلوا على زيد، أو عمرو ؛ فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون، والاشتراك، والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك ؛ لأن أعداء الله قد تكاتفوا ، وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله عز وجل، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل، وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي، وبدعوة إسلامية على شتى المستويات، وبجميع الوسائل، وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله " (الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/18).
ويقول شيخنا محمد الصالح العثيمين : " ليس للوسائل حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود، فهو مقصـود، ما لم يكن منهياً عنه بعينه، فإن كان منهياً عنه بعينه، فلا نقر به، فلو قال: أنا أريد أن أدعو شخصاً بالغناء، والموسيقا؛ لأنه يطرب لها، ويستأنس بها وربما يكون هذا جذباً له، فأدعوه بالموسيقا، والغناء هل نبيح له ذلك ، لا ، لا يجوز أبداً .
لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها، و لها أثر، فهذه لا بأس بها، فالوسائل غير المقاصد، وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها، يقول : هذه جائزة، وهذه غير جائزة؛ لأن الوسائل لا حصر لها،
ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير" (لقاء الباب المفتوح 15/49) .
3) حكم الوسائل التي تختلط فيها المصالح والمفاسد :
الوسائل التي تختلط فيها المصالح ، والمفاسد ، كتولي الولايات في ظل الحكومات المعاصرة، والدخول إلى المجالس التشريعية في ظل الأنظمة المسماة بالديمقراطية، والدخول إلى الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية، ونحو ذلك... ينظر دائماً فيها إلى المصالح ، والمفاس :
فإذا رجحت المصالح على المفاسد ؛ كان اتخاذ هذه الوسيلة مشروعاً ... وإذا ترجحت المفاسد تركت هذه الوسيلة ... ولا شك أن تقدير المصالح ، والمفاسد ، إنما هو بميزان الشرع لا بميزان الهوى ، والمصالح الدنيوية. ويختلف الحكم من بلد إلى بلد ومن وقت إلى آخر ... ولا يجوز تحريم وسيلة من هذه الوسائل بدعوى أن وسائل الدعوة لابد ، وأن يكون قد جرى عليها عمل السلف الصالح ... فإن في كل عصر تتطور وسائل الناس ، و وسائل الاتصال بينهم كما تتطور أسلحة الحرب والدمار، ويجب أن يجابه العدو بالوسيلة التي تكافئ وسائله، وتدفع عدوانه عن المسلمين بما يندفع به، والحرب الإعلامية شأنها كالحرب العسكرية .
4) حكم الوسائل المحرمة :
وكل ما حرمه الله سبحانه وتعالى ، فلا يجوز استخدامه في الدعوة إلى الله ، ولو أدى إلى نفع المسلمين، وذلك كالقصص المكذوب، والحكايات الملفقة ، والأحاديث الموضوعة للمبالغة في الترغيب والترهيب ؛ فإن هذه الأساليب _ وإن كان تفيد أحياناً في توبة بعض العصاة، وهداية بعض الناس _ إلا أن هذا من الكذب الذي حرم الله أصله .
5) أعظم الوسائل في الدعوة إلى الله :
(1) تعلم القرآن ، وتعليمه ، ونشره :
أعظم وسيلة للدعوة إلى الله هي : تعلم القرآن وتعليمه، ونشره، فهو الكتاب المعجز الذي لا يمحوه الماء ، وهو الذي قال فيه رسـول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه البخاري ، و مسلم .
فكثرة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ إنما مرده إلى هذا القرآن الذي يقطع العذر، ويدمغ الباطل، ينفذ إلى القلوب، ويدمع العين، ويحيي موات القلوب، وينير البصائر ، قال تعالى : [ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِرَاطِ اللَّهِ ( 53 ) ] سورة الشورى .
فالعناية بكتاب الله : حفظاً، وفقهاً، وتعليماً، ونشراً، وترجمة لمعانيه ؛ من أكبر أسباب الهداية، ونشر الإسلام في العالمين … وقد أمرنا الله أن نجاهد به الكفار فقال تعالى : [ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ( 51 ) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ( 52 ) ] سورة الفرقان .
(2) إعلاء منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمة، ونشر كتب السنة :
الوسيلة الثانية من الوسائل العظمى في الدعوة إلى الله : هي إعلاء منزلة رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الأمة، ونشر كتب السنة، ورفعه؛ ليكون هو الأسوة، والقدوة لكل مسلم؛ فلا يجوز أن يخلو بيت مسلم من أصل من الأصول الصحيحة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة صحيحي البخاري ومسلم اللذين هما أصح كتابين بعد كتاب الله سبحانه وتعالى .
فالعناية بنشر صحيح السنة، وتعليمها، والتفقه فيها، وتدريس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله ماثلاً في العيان أمام كل مسلم؛ ليأتسي به في حركاته، وسكناته في إيمانه … ويقينه … وصبره … وجهاده … وعبادته، بل في سمته، وهديه، ومخرجه، ومدخله .
هذه العناية بالسنة علماً ، ونشراً هي من أبلغ وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى .
(3) الإمام المسلم الداعي إلى الله :
قيام الإمام المسلم بما أوصى به الله سبحانه وتعالى عليه، والدعوة ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من أعظم الوسائل التي ينتشر بها الدين، ويتحقق بها أهداف الرسالة، كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) .
ومن أجل ذلك جعل الله الخلافة في الأرض لمن يقوم بهذه المهمة فقال جل وعلا : [ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ( 4) ] سورة الحج .
(4) تجنيد الأمة كلها في الدعوة إلى الله :
الوسيلة العظمى الثانية بعد كتاب الله هي : تجنيد الأمة كلها لتقوم بما فرض الله عليها في حمل رسالة الإسلام، وتبليغها، كما قال تعالى : [ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) ] سورة آل عمران .وقال : [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ( 110 ) ] سورة آل عمران .
وقال تعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 78 ) ] سورة الحج .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) رواه البخاري.. وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً : ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ) رواه أحمد و الترمذي ، و ابن ماجه ، و ابن حبان ، وصححه الألباني في الجامع 6764 .
فيجب أن تهب الأمة بكاملها لنشر الدين، وإبلاغ رسالة الله للعالمين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
(5) العلماء العاملون المربون :
الوسيلة الرابعة العظيمة في الدعوة إلى الله هي : وجود العلماء العاملين المربين؛ إذ هم حياة الأمة، ونورها، وقادتها، وأولو الأمر فيها، فالعناية بوجود هؤلاء العلماء من أعظم ما ينفع أمة الإسلام.
والطريق إلى وجودهم يبدأ بتعليم النابهين، والأذكياء من أطفال المسلمين بدءا بحفظ القرآن الكريم، ومتون علوم الإسلام، ثم تهيئة الجو المناسب، لتفقههم، وزكاة نفوسهم، وتفرغهم لعمل الدعوة والتعليم، والتوجيه، وقد عز سلفنا الصالح رضوان الله عليهم عندما كان للعلماء فيهم مكانتهم فقد كانت الشعوب والعامة تسير في ركابهم، وتأتمر بأمرهم ، وترى أن سلطانهم أعز من سلطان الملوك، وهذا عبدالله بن المبارك -رحمه الله- يدخل بغداد ، فينجفل الناس إليه، وتقول امرأة لهارون الرشيد _ وقد رأت خروج بغداد كلها لاستقباله _ : " هذا والله الملك، لا ملك هارون" (البداية والنهاية 10/178) .
(6) إحياء مهمة المسجد :
ومن الوسائل الناجحة في الدعوة إلى الله : إحياء مهمة المسجد، وذلك بالحث على الجمع والجماعات، والجلوس لقراءة القرآن ومدارسته، وتعلم العلم، وذكـر الله سبحانه، كما كان الشأن في مسجد رسـول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في المساجد التي أشرق فيها نور الإسلام، وأخرجت أجيالاً من العلماء والدعاة في العصور الزاهرة، كمساجد بغداد أيام العباسيين التي قيل فيها: "من أراد أن يرى عز الإسلام فليصل الجمعة ببغداد"!!
وقـد حزر من يصلون الجمعة فيها أيام المنصور فكانوا نحواً من خمسة آلاف ألف. أي خمسة ملايين… إن مثل هذا المشهد وحده يملأ قلب المسلم عزاً بالإسلام، ويكسر قلوب أعداء الله كما قال الله في شأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : [ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ( 21 ) ] سورة الفتح .
وقد خرَّج الحرم المكي، والمسجد النبوي، والأزهر، والزيتونة على الدوام آلاف الآلاف من حملة العلم الشرعي الذين كانوا نور الأمة، وعزها، ومجدها.
(7) إخراج الزكاة والصدقات، والاهتمام بأعمال البر والخير :
إخراج الزكاة، والصدقات، والاهتمام بأعمال البر، وعمل الخير إلى جانب كونها في ذاتها قربة عظيمة إلى الله، وأداءً للحق الواجب في مال الله ، فهي من أعظم أسباب نشر الإسلام، والدعوة إلى الله ، وتثبيت المسلمين، وتأليف القلوب على الإسلام .
(Cool شهر رمضان شهر الدعوة إلى الله والهداية :
شهر رمضان شهر مبارك، وإذا كان الله سبحانه قد أوجب فيه الصوم، فإن هذا الشهر وما يكتنفه من أسباب الخير هو من أعظم شهور السنة بركة في الدعوة إلى الله ، وهداية العصاة؛ ففيه تصفد مردة الشياطين، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، ويقرأ القرآن آناء الليل، وأطراف النهار، ويجود فيه المسلمون الصالحون بصدقاتهم، ويشغل الصالحون نهارهم بالصوم ، وليلهم بالعبادة… وكل ذلك يدفع في النهاية إلى توبة كثير من العصاة، وهذا الشهر فرصة عظيمة، يجب أن يغتنمها الدعاة في الدعوة إلى الله،
وقد يكسبون من المهتدين مالا يحصلون على مثله طيلة العام .
(9) الحج ، والدعوة إلى الله :
الحج من الوسائل العظمى في الدعوة إلى الله، فهو جمع لجمهور عظيم من المسلمين من كل فج عميق إلى مكان واحد يؤدون عبادة واحدة، ويذكرون الله بأذكار هي كليات الإسلام وأصوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك؛ إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .
وهـذه التلبية تضمنت غاية الدين، وهدفه، وعقيدته العظمى، ولا شك أن من فهم هذه التلبية وعلم معناها واعتقدها، وعمل بمقتضاها فهم أصل الإسلام الأصيل : ( مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في الجامع 6433 .
وقد كان
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 557
تاريخ التسجيل : 23/08/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alcot.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى